محمد كرد علي
80
خطط الشام
إذا قسمت الأعمال وأخصى المشتغلون بالعلوم وتوسعوا فيها ، فالإخصاء يؤدي ولا جرم إلى الضعف الأدبي ، وذلك أن العاملات مثلا إذا قضين نهارهن في عملهن السهل اللطيف في الظاهر ، كأن يتوفرن على إدخال الخيوط في إبرهن فإنهن لا يفقدن شيئا من حواسهن ، ولكنه ثبت أنهن يفقدن حاسة النظر في أقرب وقت . أما القوى العقلية والقوى المماثلة لها فإنها تتأذى أيضا . ومن ينصرفون في العلم المحض إلى الإخصاء ككثير من الرياضيين والمهندسين والفلكيين يعيشون في العالم كأنهم ليسوا منه ، ويدهشون من عاصروهم بغرابة أخلاقهم ، وتشتت أفكارهم ، وبالجملة فيقضى على كل مخص في العلم أو في الصناعة أن يحرز حظا من المعارف لأول أمره ، وأن يخصي في علمين أو ثلاثة ، فإذا مارس أحدها أراح غيره ا ه . الصحافة العربية : نشأت الصحافة ، أي نشر صحف الأخبار ، بعد انتشار فن الطباعة الحديثة عام ( 1566 م ) في مدينة البندقية ، ولم تلبث أن انتشرت في أوروبا ، ولكنها لم تعرف في ديار العرب إلا في سنة ( 1799 م ) أنشأها في مصر نابوليون بونابرت ، ولم تصل إلى الشام إلا في أوائل منتصف القرن التاسع عشر ، ففي بدء سنة ( 1851 م ) أنشأ المرسلون الأميركان في بيروت أول مجلة عربية اسمها « مجموع فوائد » . وللشاميين الفضل الأول في إنشاء الجرائد ، جمع جريدة ، وهو الاسم الذي وضعه أديب لبناني للتعبير عن Journal أو Gazette ثم وضع لغوي لبناني آخر اسم « مجلة » للتعبير عن Revue أو Bulletin أطلقه على هذه الرسائل الدورية التي تضم بين صفحاتها مختلف الفوائد في شتى الموضوعات . وما زال للشاميين الفضل الأكبر في إنشاء الجرائد والمجلات . وقد أنشأوا في الآستانة ومصر وتونس وأوروبا وأميركا صحفا عربية كثيرة ، وآزروا في صحف كثيرة ، كما أنشأوا في الشام صحفا كانت تعلو وتسفل بحسب مقدرة القائمين بها ، ذلك لأن الأمية كانت غالبة ، ولم يكن الإقبال على مدارس المرسلين والمدارس الطائفية وهي التي سهلت درس العربية قبل غيرها ، هذا الإقبال الذي شوهد من بعد ،